|
البطالة المؤجلة والمؤهلة
تُواجه أقطار المنطقة إجمالاً..
البطالة الفعلية.. رغم أنها
ليست كثيفة السكان.. بعد حقبة
كانت فيها البطالة المقنعة..
أو البطالة المرفهة.. كما
درجت على تسميتها بعض
الأدبيات. ولعله من الممكن أن
يطلق على شريحة من العاطلين
الحاملين لدرجات جامعية..
البطالة المؤهلة. إن الضغط
المتزايد لالتحاق مخرجات
التعليم الثانوي بالجامعات..
ومحاولة استيعاب ما أمكن
استيعابه من هذه المخرجات..
لا يحلّ بالضرورة مشكلة
البطالة. ولعل الذين لا
تستوعبهم الجامعات.. قد يلتحق
بعضهم بالتعليم الفني.. وفي
ذلك خير. فالتعليم الفني
ضرورة محورية. وقد يلتحق
بعضهم بمؤسسات التعليم
الأهلية.. إن كان بالإمكان
تحمّل التكلفة.. أو تحمل
تكلفة الابتعاث للالتحاق
بجامعات في الخارج.. أو
الاستفادة من الفرصة التي
أتيحت للالتحاق بتلك الجامعات.
وقد يجد بعضهم السبل موصدة..
فيتوجه إلى سوق العمل بحثاً
عن فرص فيها.. وقد يصدمه
الواقع.. فلا يجد عملاً. وهذا
البعض يضيف إلى رصيد البطالة.
إن الالتحاق بالجامعات.. لا
يحل بالضرورة مشكلة البطالة
بالنسبة لعدد غير قليل من
المجالات.. حيث لا تجد
المخرجات من هذه المجالات
فرصاً واعدة في سوق العمل.
ومن هنا يتبين أن مخرجات
التعليم الثانوي.. قد يضيف
بعضها إلى رصيد البطالة,
ومخرجات التعليم الجامعي.. قد
يضيف كثير منهم إلى رصيد
البطالة. ويبدو الالتحاق
بالجامعات في عدد من المجالات..
تأجيلاً للبطالة.. أو بطالة
مؤهلة.. وهي بطالة مؤهلة.. إن
جاز التعبير بحكم أن مخرجات
التعليم الجامعي.. تحمل
شهادات جامعية. ومعروف أن
البطالة.. ليست رقماً ثابتاً..
ولو كانت كذلك.. لكان حلها
ميسوراً, ولكنها أرقام
متعاظمة بحكم تعاظم مخرجات
التعليم عاماً بعد عام.
ورغم أن الحديث عن أهمية
المواءمة بين مخرجات التعليم
إجمالاً.. وسوق العمل.. هو
حديث قديم مُكرَّر.. فإنه لا
تبدو هناك محاولات جادة لهذه
المواءمة.. مع أن هذه
المواءمة ليست مسألة وقتية أو
ظرفية.. ولكنها يُفترض أن
تكون مستمرة ومواكبة
للمتغيرات التي تحدث في سوق
العمل.. ومواكبة للمتغيرات
التي تحدث في مجالات التعليم
ووسائله.
وربما قال قائل: إن الجامعات
ليست مهمتها بالضرورة تلبية
احتياج السوق. ذلك أن هدفها
المحوري.. هو المعرفة في حد
ذاتها.. وصقل المعرفة..
وإكساب المعرفة. وهذا الكلام
نظرياً قد يكون صحيحاً. فدارس
الفلسفة.. مثلاً.. يُفترض أنه
لا يفكر بالضرورة في سوق
العمل والفرص المتاحة به إلا
إن كان مجال التدريس متاحاً
لمؤهلين في مثل هذا المجال.
ولكن حتى لو لم تكن الفرص
متاحة في سوق العمل.. فإن
الارتقاء بالمعرفة في حد
ذاتها هدف نبيل.. ولا يمكن
صرف النظر عن مجالات معرفية
على أساس أن مخرجاتها ليس لها
فرص في سوق العمل.
إن القضية المحورية.. هي أن
الوظيفة مطمح ومطلب حياتي..
ولذلك تبدو مسألة فرص العمل..
مسألة حياتية أيضاً.. وتبدو
أهمية أن تكون مخرجات التعليم
الجامعي.. مخرجات تجد لها
فرصا واعدة في سوق العمل. إذ
من غير المتصور أن تكون هذه
المخرجات عاطلة تضيف إلى رصيد
البطالة. ومن غير المتصور أن
تعتبر ما حققته من كسب معرفي
غاية في حد ذاتها تعكف عليها
ولا تبحث عن فرص عمل.
والوظيفة هي مصدر الكسب
لمشوار حياتي. ولذلك تبدو
مهمة جداً. ولعل هذا ما
يُوضّح مدى ما تلقيه البطالة
من ظلال قاتمة على المشوار
الحياتي لعدد غير يسير من
مخرجات التعليم الثانوي..
التي هي مخرجات غير مؤهلة..
ومخرجات التعليم الجامعي التي
يفترض أنها مخرجات مؤهلة.
إن الذين يجدون السبل أمامهم
موصدة من بين مخرجات التعليم
الثانوي ويتجهون إلى سوق
العمل بحثاً عن فرص فيه فلا
يجدونها.. يضيفون إلى رصيد
البطالة. ومخرجات التعليم
الجامعي التي لا تجد لها فرصاً
في سوق العمل.. تضيف إلى رصيد
البطالة.. بطالة مؤهلة. ولذلك
فإن زيادة عدد الجامعات..
تُعتبر حلاً لاستيعاب أكبر
قدر ممكن من مخرجات التعليم
الثانوي.. وتبدو أيضاً وكأنها
تلبي مطلباً.. وتستوعب ضغطاً
متعاظماً. ولكن هل معنى ذلك
زيادة عدد الجامعات بين فترة
وأخرى لاستيعاب الأعداد
المتزايدة من مخرجات التعليم
الثانوي. إن الاستيعاب يلبي
هدفاً.. ويستوعب ضغطاً..
ولكنه ليس حلاً لقضية البطالة.
إنه حل للرغبة الجامحة في
الحصول على الشهادة الجامعية
كمطمح.. ولكنه تأجيل للبطالة.
ولذلك فإن الحل يجب ألا يقتصر
على مجرد زيادة عدد الجامعات..
ولكن يجب أن يرتكز على
التغيير الجذري في توجهها..
والمجالات التي ينبغي
الاهتمام بها.. والوسائل
والمضامين والغايات. إن مجرد
إضافة جامعات للجامعات
القائمة.. يستوعب أعداداً
أكبر من مخرجات التعليم
الثانوي.. ويُؤجل البطالة..
ولكنه لا يحل البطالة, ومثل
هذا الأمر.. ليس سهلاً.. وليس
مستحيلاً.. ولكنه يحتاج إلى
رؤية استراتيجية, لا تنظر إلى
فرص العمل الراهنة.. ولكنها
تذهب إلى المدى الأبعد
لاحتمالات التغيير في فرص
العمل.. وإدارة جادة بحيث
تكون الجامعة في إطار هذه
الرؤية الاستراتيجية على
المدى الأبعد قادرة على
التعامل معها.. والاستفادة
منها بكفاءة واقتدار.
|