المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ماءٌ بفطرته الأولى .



أمير المدينة
25-07-2005, 01:21 AM
سألتِك مرّة أخرى ، و أعلمُ أنّه ما كان لي أولى سوى قلقي الذي أبديه :
من نحنُ ؟
.. و هل نحنُوا إذا شئنا ؟ و كم يبقى إذا شاؤا ؟
فقلتِ : الله ثالثنا ، و لكنّا نكونُ اثنينِ حين يسوقنا ألمٌ إلى " طوبى " ..

فينسانا ، و يخفيها !


**

أحبّك ، ليس في الأشعارِ متّسعٌ لأقسمَ ، أو أرى الجدارن صافيةً لتحملَ ، خلسةً ، ما ضلّ من رسمِك !
أحبّكِ ، لا تجيئي الآن ..
بي ، ما بين أحزاني و مغرب شالك القدسي ، أقدارٌ تراودني على خوفي ، و أشواقٌ معبّأةٌ ستهدِمني ببابكِ .. إنني ولدٌ غريبُ الخطوِ ، تدركني مساءاتي و تعبُرني ، و لا تدري . و تلسعني صباواتي فأذبلَ في نشيدِ الموتِ منسيّاً بلا وجلٍ ، و مخلوقاً بلا أحزان !
أحبّك ، هكذا .. ولدٌ يعيثُ بقلبه في البردِ ، يجرحُ شعرَه بالصدقِ رغم الصدق ، يسألُ عن بلادِ الله .. عن مدُنٍ يذوبُ بجوفها الإيمانُ ، و الموتى ..

لماذا كلّما وافيتُ موعِدنا ، مضمّخةً يدي من طين إنسانٍ قلاهُ الله ، تبتعدين خلف دموعنا ، و أنا .. بلادٌ آنست كفّيك فلّاحاً ليشعل نهره فيها .. ؟

أمّا ، و اللهِ ، ما كانت سوى صنعاء من نادت على رسمي ، و دسّت فيّ أغنيةً من الحنّاء ..
أدرِكُ ، دونما فرحٍ ، بأنّ الطين بين أصابعي غسقٌ ، و أنّك لا ترينَ به سوى فقري ..
و بين الزرعِ و الماء الذي يجري بلا طمرٍ .. هوىً يبكي الهوى فيها !


***

.. و قالت نسوةٌ :


" تركته دون مكانِها قدراً بلا ألمٍ ، و كان أميرُها الفضيّ منتظراً أمام الباب مزهوّاً بشامته ، يعدّ لأمّها أشجار ضيعته ..
يقول لها : البلادُ أنا .. ستزهرُ مرّة في العام حين نحطّ في دمها "

و قالت طفلةٌ مرّت بضيعته :


ستثمرُ مرّتينِ ، و لكنّ الرياح تمرّ الآن في فمها !


.. غداً قالت فتاةٌ لا تمرّ بنا :

سيكبو شاعرٌ من دونما أحدٍ ليحنوَ ، أو يضيع دمٌ ، و تخبو من غدٍ أعوادُه و نرى الغادين لا يجدون في أسمائه
أملاً يعلّم خوفهم أن السماء تلينُ إن ذبلت قصائدُنا ، و تجفلُ حينما تنمو أمانينا !

الآن أكتبُ دونما ورقٍ أكرّره على عينيك ،
لستِ - الآن - شيطاناً ، و ما كنّا ، و لا وجعاً تحنّطه صلاواتي
و لن أبكي لأجبر قلبكِ المشطور أن يبكي
- قليلا ً -
لن أردّ صرير دمعك للذين تحدّثوا عن حظّنا القدسي
لا وجعٌ سيحمِلني ،
و لا خوف الذين دهنتُهم ، في البردِ ، بالكافور و الشعرِ الذي كنتيه !
ما كل الذي أرجوهُ يقصِدني ، و لا أرجوه أن يأتي ...

سألتِك مرّة أخرى ، و أعلمُ أنّه ما كان لي أولى سوى قلقي الذي أبديه :
من نحنُ ؟
.. و كم نحنُوا إذا شئنا ؟ و كم يبقى إذا شاؤا ؟
فقلتِ : الله ثالثنا ، و لكنّا نكونُ اثنينِ حين يسوقنا ألمٌ إلى " طوبى " ،
فينسانا ، و يخفيها !

و كنت ترين صنعاء ، التي تنأى بلا سببٍ ، بلاداً لا يمرّ بصدرها العاري جنودُ اللهِ ،
أو يرسو بقلب بناتها الشعرُ
و أنتَ ترين في عينيّ أوتاراً بها موتٌ صغيرُ السنِّ
تختلجين حين أقولُ :

" صنعاءُ التي قلبي تعلّمُ صبيةً في الحيّ أن يدعوا السماء تمرّ إن شاءت ،
و أن لا يتركوا جوعاً بلا دفئٍ ، و لا شبحاً يناديها "!

و تبتسمين ... تبتسمين حين أقولُ :

لم نعشقْ بها أحداً سوى الانسانِ
لم نعرِف ثيابَ بناتِها أبداً ،
و لم ندرِك ، بفعل براءة الشيطانِ ، شيئاً من معانيها ..

و حين أقولُ :

لم نكتب قصائدنا على الجدران إلا بعد أن طالت أيادينا ،
و مالت من نوافذها عيونُ بناتِها تيها ..
و حتى جاءنا الشعراءُ ممتلئينَ بالخوفِ الذي يفضي إلى ليلٍ بلا عنوان ..


.. سندركُ عندما كنا صغار القلبِ أن الفقرَ أغنيةٌ توسّع دهرها ركضاً ،
و أنّ الحب عاريةٌ تخافُ الليل ، و الموتى
و ندركُ عندما متنا ، بباب خيامنا الأولى ، بأنّ نساءنا وجعٌ يضلّ ببابِه الانسان !


***

وحيداً ، مثلما جئنا .. بلادي لا ترى وجهي ، و لا أمّي ، و لا أدري أبَعْدَ الموتِ أمنيةٌ يجوزُ لمن رأى عينيك أن يرقى بعيداً كي يلمّ بها !

و لا أدري ، أتلك بلادنا ، خلفي ، التي شاءت عيونُ نسائها الأولى بأن يردمنَ سرّ الماء ،
أن يغرقنَ في أحلام يقظته إلى الأحداقِ .. أم حزنٌ صغيرُ السن أطفأها ، و أدخل في يد الشعراء لعنته ..

أو استلقى على غدِها !

**

و أذكرها :

" تحدّثني عن الأطفال بين أكفّها ينمون ، ثم تعيدُ - مرّاتٍ - حكايتها .. فأقسمُ : يا إلهي .. كيف لا أدري و ما خبّرتني أبداً !

أهيمُ بقلبها ، يا ناسُ ، أعشق شالها المفرود بين الباب و الشبّاكِ .. أرقُبها إذا فازت بلعبتها تنطّ كأنّ حمائم الرحمن طارت خلف قامتها! "


و أذكر :

قلتُ : يا ألله .. هذي الأرض واسعة ، فقسّم همّنا في الخلق كي يرثوك في الأشجار و الماء الذي يغلي بلا سببٍ ..
فغامت خلف دمعتها !

و أذكرُ :

قلتُ يوم غدٍ ستنبتُ لي بلادٌ لا يموت بها الذي يغشاه خالقه يزمّ شفاهه ضجراً من الأوضاع ..

قالت :
و التي انكسرت لأن الخلق لم يجدوا بها أمّاً ، و لا طفلاً ليحبوَ في قصائدها !؟

فقلتُ : أنا ..


مروان الغفوري
27 / 6 /05
مجلة جهات

صباح الليل
25-07-2005, 05:23 PM
مشكور على النقل الجميل
يا أميرنا

أمير المدينة
03-08-2005, 06:18 PM
العفو ولا شكر على واجب