المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سنة الله الماضية في الكون والحياة


ammar2002
31-07-2005, 02:06 AM
يختلف الناس في تفسير وتحليل ظواهر الكون ... خاصة ظاهرة الاضطراب
والانهيار الاجتماعي الذي تزول به حضارات وتدول به دول وأنظمة كبرى بعد
أن يظن الناس خلودها ورسوخ قوتها ... ويحار الفلاسفة والمحللون والساسة
في إدراك ما جرى وكل منهم يرى بمنظاره ومن زاوية اعتقاده وفكره ، أما
المؤمن الواثق من دينه القويم فهو ينظر إلى الأحداث ويفسر مجريات
التاريخ بمنظار إسلامي ويزن الأمور بميزان قرآني ، ويغوص إلى المقدمات
الخفية والأسباب الباطنية التي أدت إلى النتائج المنظورة
يدرك المؤمن أن لكل عقيدة تأثيراً ولكل عمل نتيجة ، ولكل فعل وخلق رد
فعل وهذه الخواص والتأثيرات التي أودعها الله في العقائد والأعمال والأخلاق
دائمة بدوامها كدوام الخواص التأثيرات التي أودعها الله في الأغذية
والعقاقير بل أشد وأقوى إذ هي سنة الله التي أجرى بها الكون وأحداثه
وأخبر عنها سبحانه: (ولن تجد لسنة الله تبديلاً ) الأحزاب 62 .ويقف المؤمن خاشعاً أمام سلطان القدرة الإلهية والحكمة الربانية يأخذ
العبرة ولا يأخذه العجب مما يرى ، إنه القانون الإلهي الخالد وما يكافئ
الله به الإنسان والأفراد والجماعات والدول على صالح الأعمال والأخلاق في
الدنيا والآخرة من جزاء وجائزة ، من رحمة وبركة وسلامة وعافية وكرامة ،
وما يعاقب الله به على الأعمال والأخلاق الفاسدة من هلاك وعذاب وإذلال ... وماخص به بعض المعاصي من البلايا والآفات في الدنيا والآخرة ، هذا القانون
الإلهي المسطور في قوله تعالى ( إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس
أنفسهم يظلمون) **ولقد غفل كثير من المسلمين حقيقة هذا القانون والسنة فراحوا عند كل بلية وفتنة يندبون حظهم التعيس ويلقون بالتبعية والمسئولية على أي شيء آخر عدا أنفسهم وما يكسبون ... قال سبحانه ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) الروم 41 ،، ويوم أن أصاب المسلمين ما أصابهم في أحد عقب القرآن على
ذلك ( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ؟ قل هو من
عند أنفسكم ) آل عمران 195 ، ويروى عن الحسن البصري رحمه الله : أنه لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده ما من خدش عود ولا اختلاج عرق ولا عثر قدم إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر ،كما ، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم ( اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا) .أجل إنه القانون الإلهي الخالد ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) الرعد 11 ، ( ذلك بأن الله لم يكُ مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) الأنفال 53 ، فإن كان هذا التغيير والتحول
الداخلي لنفوس القوم إلى الخير والصلاح كان الأمن والاستقرار والعز
والتمكين ، كان دوام النعمة وبركتها وزيادتها ( لئن شكرتم لأزيدكم )
إبراهيم 9 ، والعكس بالعكس وصدق الله العظيم : ( وإذا أردنا أن نهلك قرية
أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً ) الإسراء 16
، يعني أمرناهم بطاعة الله تعالى ورسوله وعمل الصالحات وعدم الإفساد في
الأرض فكفروا وفسقوا فاستحقوا عقاب الله تعالى بالخسف والدمار والهلاك ،
وفي قراءة أخرى ( أمرَّنا ) يعني أن الله أملى للمترفين حتى تمكنوا وأصبحوا
أمراء على الناس واغتروا بما أوتوا فعصوا ربهم ورسولهم ففسقوا وفجروا
وظلموا فحق عليهم غضب الله تعالى ، نعم لأنهم إذا تمكنوا منافقة الأمور ولوَّا أمثالهم من الفجار الفسقة واجتهدوا في نشر الفسادوالظلم فكان الجزاء من جنس العمل .وقد يقول قائل فما بال بعض الصالحين يصابون بالبلاء والأسقام وربما يقع عليهم بعض ما يقع للفجار من الخسف والهلاك وما بال الأطفال والرضع الذين لم يجر عليهم التكليف ولا ذنب لهم وغيرهم ممن لا حول لهم ولا قوة يصاب بعضهم بالأسقام والمهالك ، والجواب على ذلك أننا لا نحيط دائماً بحكمة الله من وراء كل واقعة ، وهذا عين ما استشكل على موسى عليه السلام فيما وقع له من أحداث مع الخضر عليه السلام فلم يطق صبراً ثم تجلت الحكمة الإلهية الخفية بعد ما أطلعه الخضر على بواطن الأمور ، ونضيف كذلك بأن لعظم بعض المنكرات والمفاسد عند ظهورها من قوة التأثير والضرر ما يصيب بعض من لا علاقة لهم بهذه المعاصي كما قال تعالى : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) الأنفال 25 ،
دينه )، وهو ما يصفه البعض بقانون العقاب الجماعي في سنة الله
الكونية .وفي الحديث المتفق عليه عن زينب بنت جحش رضي الله عنها عن النبيصلى الله عليه وسلم : ( .. قلت يا رسول الله : أنهلك وفينا الصالحون ؟
قال : نعم إذا كثر الخبث ) ،، ولقد ذكرنا أن الله تعالى قد خص بعض
المعاصي بعقوبات خاصة من البلايا والآفات في الدنيا والآخرة نذكر منها ما
جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا
ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن ما ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى
يعلنوا بها إلا ابتلوا بالطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم
الذين مضوا ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا ابتلوا بالسنين وشدة
المؤونة وجور السلطان عليهم وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر
من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط
الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم وما لم تحكم أئمتهم
بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم ) حديث 106 سلسلة الصحيح للألباني .
وروى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه قال ( إذاظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله ) ، ، كذلك خص
الله تعالى بعض الطاعات بثواب وحسنات خاصة في الدنيا والآخرة نذكر منها
قول الله تعالى : ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم
مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً ) نوح 10-
12،وقوله تعالى : ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات
من السماء والأرض ) ، وقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله
وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ) الأحزاب 70-71 ،
وقوله تعالى ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ، ويرزقه من حيث لا يحتسب )
الطلاق 2-3 .وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ليس شيء أُطيع الله فيه أعجلثواباً من صلة الرحم وليس شيء أعجل عقوبة من البغي وقطيعة الرحم واليمينالفاجرة تدع الديار بلاقع ( أي فقراء )وروى الترمذي بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يرد الدعاء إلاالقضاء ، ولا يزيد في العمر إلا البر ) ومن المشاهد عموماً ( إلا ما استثنى ) أن قوة التقوى تؤثر في صلاح الذريةعموماً وبالمقابل فإن قوة المعصية تؤثر في فساد الذرية ويشهد لذلك ما
علل الخضر به بناء الجدار لحفظ كنز الغلامين اليتمين كما جاء في القرآن
الكريم ( وكان أبوهما صالحاً ) الكهف 82 .وقد يقول قائل فما بالنا نرى
أبواب النعيم في الدنيا تفتح للكافرين ولا يصيبهم ما يصيبنا من نكد في
الدنيا على ما هم فيه من كفر وفجور وإفساد ؟ فنقول إن هؤلاء قوم يعجل الله
لهم طيباتهم في الحياة الدنيا كما ورد في الأثر ، وهذا أيضاً نوع مما
يبتلى المؤمن به ويمتحن إيمانه ويقينه من جهة ثم هو استدراج من الله
تعالى ؛ يمهلهم ويمد لهم ، حتى إذا جاءتهم نقمته سبحانه : أخذهم بعذاب
شديد دفعة واحدة في الدنيا مع ما يرصده لهم في الآخرة ، كما في الحديث
المتفق عليه : ( إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته ثم قرأ : "
وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ، إن أخذه أليم شديد ) هود 102
/حديث 207 رياض الصالحين للنووي.ثم إن الله سبحانه يجازي من يفعل الخير منهم في الدنيا وإن لم يرد به وجهالله حتى يأتي يوم القيامة بلا حسنة تقتضي الثواب ، ومن جهة ثالثة نحننشاهد أيضاً ما يصيبهم من نكد وشقاء روحي وجرائم اجتماعية مروعة وعقوباتحالية بانتشار الأمراض المعضلة التي هي أكثر ما تخصهم دون غيرهم جراءكفرهم وموبقاتهم .وكذلك فإن الله سبحانه قد يسلط في هذه الدنيا بعضالظالمين على بعض بسبب جرائمهم ومفاسدهم وظلمهم فينتقم من بعضهم علي يدالبعض الآخر : ( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما يكسبون ) ، وروى أحمدبسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأيت الله عز وجل يعطي العبد منالدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ثم تلا رسول الله صلى الله عليهوسلم : " فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذافرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون " الأنعام 44 /
أما المؤمن فإن كل ما يصيبه ما دام مستمسكاً بدينه هو خير ورحمة له على
أي وجه من الوجوه ؛ فهو تكفير له عن ذنوبه من جهة ، ويزيد في حسناته من جهة أخرى ويصطفي به من يشاء من أوليائه فيرفع درجاته عند ربه حتى يلقىأحدهم ربه وما عليه من خطيئة من جهة ثالثة ، ويرد عنه بلاء أشد من جهةرابعة ، ويمحص بالبلاء ذات الفرد وصف الجماعة من جهة خامسة ، مع مايدخره للصابرين من فوز ورضوان في الآخرة من جهة سادسة ، روى مسلم بسنده عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن : إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ).
وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا أراد الله بعبده
الخير عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه ذنبه
حتى يوافي به يوم القيامة ) ولننظر الآن إلى أحوال المسلمين لنرى كم نحن بعيدون عن النصر وكم هي رحمة الله ولطفه بنا وبالناس كافة ، ولو شاء لخسف بنا ولكنه الوعد الحق منه سبحانه وإجابة لوعد الحبيب صلى الله عليه وسلم ألا يعذب أمته بسنة عامة أي بعذاب يستأصل شأفتهم كما وقع للأمم السابقة ، ثم هو فضله ورحمته لأمة الحبيب صلى الله عليه وسلم أن أبقى لنا من بعده أماناً من العذاب العام هو الاستغفار : ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) الأنفال 32 ،واقتضت حكمته ورحمته أن كل ما يصيبنا من الأعداء على مر العصور مهما بلغ هو مجرد ضر وأذى على سبيل التقليل (لن يضروكم إلا أذى .. ) آل عمران 111، ( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً ..) آل عمران 120 .إن كل ما نحن فيه من ذل وهوان وشقاء وضنك وتطاول الأعداء هو بعض عقاب الله تعالى وابتلائه للمسلمين ، وانظر ما ظهر فينا ومجتمعاتنا من موبقات مهلكات وعلى رأسها عدم تحكيم الشريعة وقيام الاقتصاد على الربا والبنوك وإضاعة الصلاة والزكاة وشيوع الخمور والزنا ، بل وملاحقة أولياء الله الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والمجاهدين في سبيل الله .ولعل قائلاً يقول : إننا على كل حال مسلمون ، ومهما كانت معاصينا فلن نبلغ كفر أعدائنا ومفاسدهم ، فكيف يمكن لهم من أراضينا ورقابنا ،فنقول : وهذه الفكرة أيضاً من البلاء الذي تنبه له الفاروق عمر رضي الله عنه وهو يودع ويوصي قائده الفذ سعد بن أبي وقاص لمواجهة جيوش الفرس الجرارة في العراق ، وما أجمل أن نذكر هذه الوصية الخالدة للفاروق والتي تستحق أن تكتب بماء الذهب : ( أما بعد: فإني آمرك ومن معك بتقوى الله على كل حال ، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب ، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم ، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة ، لأن عددنا ليس كعددهم وعدتنا ليسن كعدتهم ، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة ،و إلا ننصر عليهم بفضلنا فلم تغلبهم قوتنا ، واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون ، فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ، ولا تقولوا إن عدونا أشر منا فلن يسلط علينا وإن
أسأنا ، فرب قوم سلط عليهم من هو شر منهم كما سلط على "بني إسرائيل"
لما عملوا بالمعاصي كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً ،
وسلوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم ، وأسأل الله ذلك
لنا ولكم .

صباح الليل
31-07-2005, 02:12 AM
جزاك الله خير أخوي ammar2002 على الموضوع الجميل
ونتمنى لك وقت ممتع معنا في المنتدى