نور الهامور
11-03-2008, 07:15 PM
مشروع عن حياة الدكتور غازي القصيبي
المقدمة
حروف مبعثرة رُكبت لتنسج جملا ترتقي في سماء الشعر والأدب لأنها تحكي رحلة أدبية لإنسانٍ بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ سامية ونبيلة .فهو إنسان تجتمع في شخصيته البساطة مع الوقار والإحترام وتتميز كتاباته بالصراحة والجرأة والتشويق فتحمل تأشيرة مفتوحة للدخول إلى فكر وعقل القارئ ، تسرقك أفكارهِ فتُحلق معها لتضحك تارة وتبكي تارة أخرى .
معالي( الدكتور/ غازي القصيبي) الذي يحمل بين يديه قلم الإنسانية الصادق كان لهم ضلع خفي وراء بروز الشعر وتألقه في البحرين ليتطور أيما تطور.
ونحن هنا بصدد أن نسبح في أغوار رحلته قليلا لنتعرف على حياته الشخصية ومتى بدأ الشعر يتدفق في ضلوعه لتظهر لنا بعدها كلماته مرفرفة في حقول الأدب ، ومن ثم نتذكر قليلا مع شاعرنا الدكتور غازي القصيبي أهم ذكرياته الشبابية في البحرين لنراه وقد تحولت ذكرياته فيها إلى أبياتا غزلية أشبه لو كانت مُهداةً إلى حبيبة ، ونواصل مسيرة ذكرياته لنطوف بها في السعودية وماهي قصائده التي كُتبت فيها ، ونبقى قليلا لقراءة إحدى دواوينه الخالدة (أنتِ الرياض) في حين الدواوين الأخرى نستعرضها مع حديثنا عنه وهو في البحرين والسعودية ، وأخيرا نقف في خاتمه بحثنا لنستنتج خصائصه الشعرية كما رأيناها في أشعاره المذكورة .
والله ولي التوفيق .
موجز سيرة الدكتور غازي القصيبي
الدكتور غازي عبد الرحمن القصيبي غني عن التعريف فهو شاعر عربي أصيل، بحريني الهوية سعودي الجنسية، عربي البنية والتكوين، يتجاوز بما أعطاه الله عليه من نظم الشعر وفكر ووجدان الحدود القطرية السياسية العربية ليحتضن بصدق وإخلاص كل زوايا الوطن العربي والإنسان العربي والقضايا العربية والإسلامية إلى جانب القضايا الإنسانية بكل حبٍ وتفانٍ.
الدكتور غازي من مواليد منطقة الإحساء بالمملكة العربية السعودية عام 1940، انتقل مع عائلته إلى البحرين في سن الخامسة حيث نما وترعرع وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي ثم حصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة ونال ماجستير العلاقات الدولية من جامعة جنوب كاليفورنيا أما شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية فقد كانت من جامعة لندن.
تزوج الدكتور غازي القصيبي سنة 1968 ميلادية ورزق من زوجته أربعة أبناء: يارا، وفارس، ونجاد، أما كيف فكر في اسم إبنته البكر؟ عندما كانت فيروز تغني أغنية يارا لسعد عقل، وكان الشاعر صدفة ينتظر قدوم طفلته البكر بعد شوق استمر تسعة أشهر، أعجبه الاسم، فلما وُلِدت الطفلة وجدت الاسم في انتظارها معدا وجاهزا ومتفق عليه، والجدير بالذكر فقد كان وقتها في لندن يتابع التحضير لرسالة الدكتوراه وبالتحديد في شهر أكتوبر من عام 1970.
علم أولاده أن يستقلوا بشخصياتهم حتى عنه بأسرع وقت ممكن، وتعلم منهم العناد ليبين إن العناد ليس محتوما على الصغار، كما عاملهم لين بلا ضعف وحب بلا دلع فهو يحب الأطفال حباً جما فكتب في يناير عام 1986( أنشودة الطفل ) الإبداعية إذ يريك فيها دهشة الأطفال البكر الأولى بالحياة الدراسية والالتزام بالمنهج والواجب والمقرر وقراءة الكتب المكدسة والامتحان المرعب، فها هي قصيدته:
في كل يوم مدرسة .. ياللحياة التعســــة
وواجبٌ مـــــــــعقدٌ.. وكتب مكدســــــة
وامتـــحانٌ مُرعبٌ.. يهرسُنا كالمهرسـه
وإن ضـحكنا مرة .. تنهرنا المُدرِســـــة
وتستحيــــل بعدها .. قاسية وشرســــــة
وأمنا في بيتنــــــا .. واقفة بالمكنســــــة
تصيح صمتاً! فأبوكم لا يحب الهسهسـة
إذا لعبتم حولــــه .. طار نعاس نَعَسَــــه
فإن لعبنا في الطريق باغتتها الوسوســة
يا ويحكم! يا ويلكم! إبليســـكم ما أبلســه
لا تركضوا لا تمزحوا يا عيشنا ما أبأســـــــــــــه
قوموا! أرقدوا لا تسهروا في الأمسيات المؤنســة
نصائــــــــــــحٌ أوامـــــرٌ شـــــــــؤونها ملتبســــة
واحـــــدنا يخــاف حــتى من هــــوى ننفســـــــــه
أتـعـجبون بعــدها .. إذا اعترتنا الهــلوســــــــة ؟!
وكان هناك حدثان مهمان في حياته أصبح لهما تأثيران كبيران في تكوينه الفكري والفني والروحي، فالحدث الأول عاش الشاعر صباه المبكر في البحرين يتيم الأم وتربى في كنف والده الذي عرف بمكانته الاجتماعية الرفيعة رغم إن أباه لم يكن اكبر أشقائه الأربعة غير انه كان أشهرهم وأكثرهم صيتاً وقد كانت له أنشطة تجارية متعددة الجوانب، والحدث الثاني هو فقدان والده الحنون وبعد أن توفي أبوه تولاه أخوه بالرعاية والاهتمام.
ولو رجعنا قليلا بشاعرنا العملاق الدكتور غازي القصيبي إلى الوراء لرأينا أن باكورته الشعرية ظهرت وهو ابن الثانية عشر عاما. وكانت كلماته المستهلة آنذاك تخشى الحياء والتردد فاختفت وراء اسم مستعار اختاره الشاعر لنفسه في بداية الطريق وهو(محمد العليني)، وترعرعت شاعريته حتى ما إن تجاوز الرابعة عشرة من العمر راح ينظم أولى محاولاته الشعرية نشرها إبتداءاً من عام 1954 على وجه التقريب، ثم أخذ ينشر تحت نفس الاسم المستعار في كل من جريدة (الوطن) ومجلة (صوت البحرين)اللتين كانتا تصدران في البحرين آنذاك، ولبث يمارس هوايته فنظم بين الخامسة عشرة والسادسة عشرة عدة قصائد وطنية منها على سبيل المثال قصيدة (اليقظة) وهي عمودية من الوزن الخفيف مكونة من ثلاثين بيتاً نشرها في جريدة الوطن بتاريخ 2-12-1955 ميلادية، يقول في مطلعها :
مالذا الأفق مائجا بالدخان تلك والله غضبة البركان
ونشر قصيدة أخرى عمودية من الوزن المتقارب، مكونة 39 بيتا تحت عنوان((أخي)) وقد نشرت في جريدة الوطن أيضاً بتاريخ 13-9-1956 مصحوبة بتوقيع (م.ع) ومطلعها:
أخي ضمد الجرح وانهض معي إلى عزنا أو إلى المصرع
ذكرياته وغزله في البحرين
بعد حصوله على شهادة الثانوية انتقل إلى القاهرة ليكمل تحصيله الجامعي وفي القاهرة اخذ يعب من مؤلفات العقاد وطه حسين وشعر شوقي ونهل من الأدب شعراً وثقافة وفكرا. وفي أول قصائد ديوانه الأول(أشعار من جزائر اللؤلؤ 1960م) التي كتبها في القاهرة عام 1959 يعبر الدكتور غازي من غربته في ابتعاده عن الأهل والأصدقاء، ويعبر عن رحيله عن البحرين فهي معشوقته وهي الوطن والحبيبة والأمل، وهي واقع حلمه، وماضيه وحاضره ومستقبله.
وقد عكست قصائد ديوانه الأول بل كل قصائد المجموعة الشعرية الكاملة (1987م) هذا الحب الجارف لوطنه الغالي البحرين بما فيه هذا الوطن من الناس والطبيعة والثقافة، إذ يبرز الشاعر عشقه للبحرين في معظم قصائد دواوينه ترميزا وتضمينا و مباشرة، يتراوح تارة بين التغني بجمالها، وتارة أخرى للحنين إلى ذكرياته والأسى في البعد عنها.
وتتدفق مشاعر الأحلام الضائعة وذكريات الطفولة والصبا في ربوع البحرين حيث نما وترعرع وحيث أبدع أولى قصائده، كما تتدفق هذه المشاعر عبر كلمات شعره الرومانسية والواقعية فتمتزج الذكريات بالصورة المميزة لعالم البحرين الخلاب لتعبر عن حبه العميق الراسخ وعن وفائه لهذا البلد وتعلقه به وعن حنينه العارم للبحر والغوص والسواحل فلنصغِ لمطلع قصيدة (جزيرة اللؤلؤ) حيث يقول:
اليوم والأحلام ضائعة مبددة الشباب
والعمر أشلاءٌ ممزقة بأنياب السراب
ثم يروح الشاعر مخاطبا البحرين فهي الأم وهي الوطن وهي الأرض وهي الواقع والحلم وكم حري بنا في هذه الأيام أن نخاطب هذه الأرض كما خاطبها الدكتور غازي ودعا إليها بصدق وتضحية ووفاء:
ارضــي هناك مع الشواطئ والبـحار الأربعة
والأفق والشـــــفق المخضب حين ينثر أدمعه
فتــظل ترمقــه الميــاه كأنــها تبــكي معــــــه
حيث المساء يطل في صمت ويخطر في دعه
ويعــانق الآفــاق .. يمـنح كل قـلب اذرعـــــه
ويمتلئ قلب الشاعر بحبه للمنامة ومن الأبيات الخالدة عن اشتعال قلبه بهذا الحب هي أبياته الأخيرة من قصيدته(جزيرة اللؤلؤ) فقد عبر في هذه القصيدة عن فرط سروره بعودته التي تشبه الأحلام إلى سواحل المنامة بعد تغربه عنها مبتدءا بذكريات طفولته ونشأته وذكريات عشرته التي غذت القصيدة بأعذب الكلمات وأبدع الصور الشعرية إلى أن يشعر بالراحة والاطمئنان فيقول :
الضوء لاح فديت ضوءك في السواحل يا منامة
فوق الخليج أراك زاهية الملامح كابتسامــــــــه
المرفأُ الغافي وهمتُه يُهنئ بالسلامـة
ونداءَ مئذنة مضوأةٍ ترفرف كالحمامـــــــــــــة
يا موطني! ذا زورقي أوفى عليك فخذ زمامـه
فالبحرين هي الأمل والرجاء، وهي الأم والوفاء وهي الأرض والوطن والملجأ والفداء منذ خط الشاعر قصائد ديوانه الأولأشعار من جزائر اللؤلؤ) التي كتبها خلال تحصيله الدراسي في القاهرة، وحتى أخر قصائده: ( أغنية حب البحرين) التي اختتم بها مجموعته الشعرية الكاملة، صار النقاد والمؤرخين يعدونه شاعرا بحرينيا أصيلا ومؤثرا كبيرا في حركة الشعر البحريني الحديث ، فأكثر قصائده عن هذا الوطن وعن الحنين إلى هذا الوطن وهي مهداة إلى شعراء وأصدقاء في هذا الوطن خاصة الشاعر عبد الرحمن رفيع صديقه الأثير الذي أهداه سيرته الشعرية، وكذلك الشاعر أحمد محمد الخليفة كما أهدى ديوان (العودة إلى الأماكن القديمة) إلى صديق طفولته منذ الخامسة من عمره المديد ورفيق تلك الأماكن محمد صالح الشيخ عبدالله وكيل المحكمة الكبرى في البحرين وعضو مجلس الشورى إلى جانب أهدى روايته الأخيرة (شقة الحرية) إلى إبراهيم خليل المؤيد.
وكانت فترة الخمسينات تمثل له مرحلة الحنين الأولى إلى ذكريات الطفولة في ربوع البحرين فصاريثري فصائداً بحسه الوطني العميق أثناء سفره إلى القاهرة للدراسة، ومع أواخرالستينات وكذلك بداية الثمانينات يعود الشاعرإلى البحرين بكل أشواقه وأحلامه وحنينه فكتب قصيدتين تعد من أنضج قصائده الأولى (أغنية الخليج) عام 1969م يخاطب الشاعر خليجه الميمون وشطان الجزر ليقول في مطلعها:
أتيت ارقبُ ميعادي مع القمرِ يا سحر الموج والشطآنِ والجُزرِ
هــديتي رعشتا شوقٍ.. وقافيةٌ حملتُها كل ما عانيت في سفري
ويقول أيضا في قصيدة (أغنية الخليج):
خليج! مرت علينا بالنوى سنــــــــةُ
فهاتِ حدث وسل ما شئتَ من خبري
ركبت سبعين بحراً جبتُ أوديــــــــة
طارت بي الريـــح من أمنٍ إلى خطرِ
ضحكتُ والحب يرعاني ببسمتـــــــهِ
ونحتُ والحب ليلٌ صاخب الــــــــكدرِ
والشاعر غازي القصيبي دائم التغزل في معشوقته البحرين ليمزج لنا الرومانسية مع حب الوطن في قلب شعري جميل:
أوه ! حٌبكِ في روحي يطاردني
يسومــني شوكة والسوط الحزنا
أعيش فيه معــــــــــاناتي مؤبدة
لا ينتهي زمــــــــنا إلا حدا زمنا
أعد في السجن أيــــامي وأعشقها
يا سجن! هل ثم قبلي عاشق سُجنا
أضيقُ بالقيد لكني أقبلـــــــــــــــهُ
ورب قيدٍ على عبدٍ بكـــــى و حنا
ويبلغ العشق بالشاعر العاشق للبحرين درجة قصوى تمنى وطلب الموت والكفن في أرض البحرين وتربتها وهوالذي منحها شبابه الغالي وقلائد شعره:
أريد أن تمنحيني الموت والكفنا
فقد منحتك عمري والشباب وانا
وقد وهبتك من شعري قلائــــده
ومـــــن خزائن قلبي ما غلا ثمنا
ومـن ضلوعي البقايا من تمردها
ومـن جفوني الخيال الحلو الوسنا
ومن قفاري الخزامي في بكارتها
ومن بحاري القلوع البيض والسفنا
قصائده في بعض المدن السعودية
الانطباعات العالقة بذهن الدكتور غازي القصيبي عن المدن السعودية أشبه بالانطباعات التي يكونها عن الأفراد ، بمعنى انه لا يعجب - على العموم- بمدينة ما لجوها الوديع الهادئ المشبع بجمالات الطبيعة، بل الإعجاب يتحقق لديه بمدى الألفة التي تربطه مباشرة بتلك المدينة وهذه الألفة لا تأتي إلا عن طريق التعايش، فمدينة الهفوف مسقط رأسه كانت لها أعمق الأثر في حياته، حيث نشأ فيها الخمس سنوات الأولى من عمره المديد.
وعندما ينظم القصيبي درره عن الأرض السعودية فهو يرتفع بحسه إلى مستوى راق في تعبيراته الشعرية ليطير في سماء الشعر فحسه العربي القومي، وإبداعه الشعري هما جناحاه اللذان يطير بهما، فعندما خاطب (أبها) عام 1976 جعل الفرد منا يتمنى زيارتها، فقد جاءت أبياتها العذبة في وصف يجعل النجوم تحلم في أن تمس يد عروس منطقة عسير:
يا عروس الربــــى الحبيبة أبهـــــا!
أنتِ أحلى مـن الخــــيال وأبــــهــى
كــــلما حـــرك النــــفـوس جــمـــالاً
كنتِ أزكى شذى وأنضــرُ وجـــهــا
وإذا ما ارتمى على الجـــفن حلـــــم
كنـــتِ في حلـــمنا ارقي وأشــهـــى
أي ارضٍ هذي التي شاقت الأرض
جميـــعا فغـــارت الأرضُ مــنــهـا ؟
واختار الشاعر مدينة جبيل ملجأ ومخبأ لأشواقه يهفو لها قلبه فنشأت بينه وبينها ألفة امتدت مع شاعريته الخلابة وطغت على أبيات أشعاره في قصيدة عنوانها(جبيل) كتبها عام 1984 :
تدثري بــرداء السحــروائـــتـــلقـي
وفـــاخــري كل نجم مـــر بالأفـــق
جبيل ! يا دانة الغواص عـــاودنــي
شوقي فجئتك محمولا على ارقــي
أهفو إلى المقلة الحوراء مـا نظرت
إلا خشـيت على قـــلبي من الغــرق
قراءة في ديوان (أنت الرياض)
(أنت الرياض) هذا هو ديوانه الخامس الذي تمنى أن يهديه إلى والده لو كان حيا في تلك الفترة، ويعد ذلك نقلة مباشرة للشاعر ففيه استقر في ربوع وطنه الأم لمدة خمس سنوات متواصلة وكان عمره آنذاك ما بين الواحد والثلاثين والسادس والثلاثين. ففي هذه المرحلة بالذات يظهر أثر المهنة الجامعية وتولي مهمة الوزارة باد عليه عبر قصائده الشعرية ، ليرى الدنيا على حقيقتها المرعبة وما تحويه من ملامح مخيفة كالمصالح والحسد والحقد والغيرة ، فيتمنى لو انه يعود إلى الطفولة.
لهذا فهو أحب الرياض حينما استقر فيها لأنها جزء من عالمه الطفولي ، ليسرح في (الوشم) و(الناصرية) ويلقي همومه على (الخريص) :
أحـبك حـــبى عيـــون الـــريــاض
يغـــالـــب فـــيها الحنــين الحـــياء
أحبك حـــبى جبــيـــن الـــريــاض
تــظـــل تــلــفـــعـــه الــكــبــريــاء
أحــبك حـــبى دروب الـــريــاض
عناء الرياض صغار الـــريــاض
وحـــيـــن تــغـــيـــب الـــريــاض
أحـــدق في ناظــــريــك قــــليــلا
فأسرح في (الوشم) و(الناصرية)
وأطرح عند (خريص) الهــمـــوم
وحـــيـــن تــغـــيـــبـــيــن أنـــــتِ
أطــالـــع لــيل الــريـــاض الوديع
فــيـــبـــرق وجهــك بين النجـــوم
ونجتزئ من قصائد هذا الديوان قصيدة ((الزلزال)) وهذا جزء من مطلعها ، كتبت كلماتها عام 1976 حيث يقول :
بحيرةً كنتُ لم تنبض ولا ارتعشـتْ
حتى طلعتِ عليــها مثل إعــصـــارِ
حركتِ أعماقها السوداء فانتفضتْ
تمور كالمرجل الطافــي على الـنارِ
وسرت ريح حنونٍ في شــواطــئها
ماستــيقظت طـفلةً في كــف جــبارِ
الخاتمة
هكذا نرى أن شاعر الطفولة أضحى يثري الأدب بقصائده النيرة وراح يحلق في حدائق الرومانسية متغنيا بالبحرين معشوقته الأولى وببعض مناطق السعودية ، وهو في كل ذلك يخط بمفردات سليمة عربية اللغة، قوية البنية لا تقل في القوة والعمق عن شعر أبي الطيب المتنبي، ذات إيجازٍ غير مخلٍ بالأداء.
والدكتور غازي القصيبي في كل ذلك يصنع قصيدته من عشرات التجارب التي تمر به لتظهر لنا ضمن قالب شعري متجدد في إقباله على المعاني الوجدانية، والصور الممثلة لروح هذا العصر ولا عجب في ذلك فهو عربي حتى أظافره، وإضافة إلى ذلك فشعره ممزوجا بموسيقى عذبة توحي بها أبياته وألفاظه.
وأما قدرته على التصوير فهي قدرة فنان ماهر يحسن جمع الخطوط ومزج الألوان ليصنع لنا لوحة فنية رائعة ، كما إن شعره امتلك ديباجية عالية قدرها له الأدباء وامتاز بها على شوقي وحافظ في شعره.
وأخيرا كان شرف لنا أن نبحث في هوية احد شعرائنا فنخط عنهم لنتعلم منهم الشعر وأغراضه.
المصادر
1)الدكتور السرحان محمد،الدكتور غازي عبد الرحمن القصيبي قطرة ندى بين السعودية والبحرين، مكتبة فخراوي للنشر، الطبعة الأولى 1417-1997
2)مي إبراهيم، مجلة عربيات، لندن، العدد 1542
3)الناجي سعيد، دواوين القصيبي في سطور، دار القلم للنشر، الطبعة الأولى 1998
المقدمة
حروف مبعثرة رُكبت لتنسج جملا ترتقي في سماء الشعر والأدب لأنها تحكي رحلة أدبية لإنسانٍ بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ سامية ونبيلة .فهو إنسان تجتمع في شخصيته البساطة مع الوقار والإحترام وتتميز كتاباته بالصراحة والجرأة والتشويق فتحمل تأشيرة مفتوحة للدخول إلى فكر وعقل القارئ ، تسرقك أفكارهِ فتُحلق معها لتضحك تارة وتبكي تارة أخرى .
معالي( الدكتور/ غازي القصيبي) الذي يحمل بين يديه قلم الإنسانية الصادق كان لهم ضلع خفي وراء بروز الشعر وتألقه في البحرين ليتطور أيما تطور.
ونحن هنا بصدد أن نسبح في أغوار رحلته قليلا لنتعرف على حياته الشخصية ومتى بدأ الشعر يتدفق في ضلوعه لتظهر لنا بعدها كلماته مرفرفة في حقول الأدب ، ومن ثم نتذكر قليلا مع شاعرنا الدكتور غازي القصيبي أهم ذكرياته الشبابية في البحرين لنراه وقد تحولت ذكرياته فيها إلى أبياتا غزلية أشبه لو كانت مُهداةً إلى حبيبة ، ونواصل مسيرة ذكرياته لنطوف بها في السعودية وماهي قصائده التي كُتبت فيها ، ونبقى قليلا لقراءة إحدى دواوينه الخالدة (أنتِ الرياض) في حين الدواوين الأخرى نستعرضها مع حديثنا عنه وهو في البحرين والسعودية ، وأخيرا نقف في خاتمه بحثنا لنستنتج خصائصه الشعرية كما رأيناها في أشعاره المذكورة .
والله ولي التوفيق .
موجز سيرة الدكتور غازي القصيبي
الدكتور غازي عبد الرحمن القصيبي غني عن التعريف فهو شاعر عربي أصيل، بحريني الهوية سعودي الجنسية، عربي البنية والتكوين، يتجاوز بما أعطاه الله عليه من نظم الشعر وفكر ووجدان الحدود القطرية السياسية العربية ليحتضن بصدق وإخلاص كل زوايا الوطن العربي والإنسان العربي والقضايا العربية والإسلامية إلى جانب القضايا الإنسانية بكل حبٍ وتفانٍ.
الدكتور غازي من مواليد منطقة الإحساء بالمملكة العربية السعودية عام 1940، انتقل مع عائلته إلى البحرين في سن الخامسة حيث نما وترعرع وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي ثم حصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة ونال ماجستير العلاقات الدولية من جامعة جنوب كاليفورنيا أما شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية فقد كانت من جامعة لندن.
تزوج الدكتور غازي القصيبي سنة 1968 ميلادية ورزق من زوجته أربعة أبناء: يارا، وفارس، ونجاد، أما كيف فكر في اسم إبنته البكر؟ عندما كانت فيروز تغني أغنية يارا لسعد عقل، وكان الشاعر صدفة ينتظر قدوم طفلته البكر بعد شوق استمر تسعة أشهر، أعجبه الاسم، فلما وُلِدت الطفلة وجدت الاسم في انتظارها معدا وجاهزا ومتفق عليه، والجدير بالذكر فقد كان وقتها في لندن يتابع التحضير لرسالة الدكتوراه وبالتحديد في شهر أكتوبر من عام 1970.
علم أولاده أن يستقلوا بشخصياتهم حتى عنه بأسرع وقت ممكن، وتعلم منهم العناد ليبين إن العناد ليس محتوما على الصغار، كما عاملهم لين بلا ضعف وحب بلا دلع فهو يحب الأطفال حباً جما فكتب في يناير عام 1986( أنشودة الطفل ) الإبداعية إذ يريك فيها دهشة الأطفال البكر الأولى بالحياة الدراسية والالتزام بالمنهج والواجب والمقرر وقراءة الكتب المكدسة والامتحان المرعب، فها هي قصيدته:
في كل يوم مدرسة .. ياللحياة التعســــة
وواجبٌ مـــــــــعقدٌ.. وكتب مكدســــــة
وامتـــحانٌ مُرعبٌ.. يهرسُنا كالمهرسـه
وإن ضـحكنا مرة .. تنهرنا المُدرِســـــة
وتستحيــــل بعدها .. قاسية وشرســــــة
وأمنا في بيتنــــــا .. واقفة بالمكنســــــة
تصيح صمتاً! فأبوكم لا يحب الهسهسـة
إذا لعبتم حولــــه .. طار نعاس نَعَسَــــه
فإن لعبنا في الطريق باغتتها الوسوســة
يا ويحكم! يا ويلكم! إبليســـكم ما أبلســه
لا تركضوا لا تمزحوا يا عيشنا ما أبأســـــــــــــه
قوموا! أرقدوا لا تسهروا في الأمسيات المؤنســة
نصائــــــــــــحٌ أوامـــــرٌ شـــــــــؤونها ملتبســــة
واحـــــدنا يخــاف حــتى من هــــوى ننفســـــــــه
أتـعـجبون بعــدها .. إذا اعترتنا الهــلوســــــــة ؟!
وكان هناك حدثان مهمان في حياته أصبح لهما تأثيران كبيران في تكوينه الفكري والفني والروحي، فالحدث الأول عاش الشاعر صباه المبكر في البحرين يتيم الأم وتربى في كنف والده الذي عرف بمكانته الاجتماعية الرفيعة رغم إن أباه لم يكن اكبر أشقائه الأربعة غير انه كان أشهرهم وأكثرهم صيتاً وقد كانت له أنشطة تجارية متعددة الجوانب، والحدث الثاني هو فقدان والده الحنون وبعد أن توفي أبوه تولاه أخوه بالرعاية والاهتمام.
ولو رجعنا قليلا بشاعرنا العملاق الدكتور غازي القصيبي إلى الوراء لرأينا أن باكورته الشعرية ظهرت وهو ابن الثانية عشر عاما. وكانت كلماته المستهلة آنذاك تخشى الحياء والتردد فاختفت وراء اسم مستعار اختاره الشاعر لنفسه في بداية الطريق وهو(محمد العليني)، وترعرعت شاعريته حتى ما إن تجاوز الرابعة عشرة من العمر راح ينظم أولى محاولاته الشعرية نشرها إبتداءاً من عام 1954 على وجه التقريب، ثم أخذ ينشر تحت نفس الاسم المستعار في كل من جريدة (الوطن) ومجلة (صوت البحرين)اللتين كانتا تصدران في البحرين آنذاك، ولبث يمارس هوايته فنظم بين الخامسة عشرة والسادسة عشرة عدة قصائد وطنية منها على سبيل المثال قصيدة (اليقظة) وهي عمودية من الوزن الخفيف مكونة من ثلاثين بيتاً نشرها في جريدة الوطن بتاريخ 2-12-1955 ميلادية، يقول في مطلعها :
مالذا الأفق مائجا بالدخان تلك والله غضبة البركان
ونشر قصيدة أخرى عمودية من الوزن المتقارب، مكونة 39 بيتا تحت عنوان((أخي)) وقد نشرت في جريدة الوطن أيضاً بتاريخ 13-9-1956 مصحوبة بتوقيع (م.ع) ومطلعها:
أخي ضمد الجرح وانهض معي إلى عزنا أو إلى المصرع
ذكرياته وغزله في البحرين
بعد حصوله على شهادة الثانوية انتقل إلى القاهرة ليكمل تحصيله الجامعي وفي القاهرة اخذ يعب من مؤلفات العقاد وطه حسين وشعر شوقي ونهل من الأدب شعراً وثقافة وفكرا. وفي أول قصائد ديوانه الأول(أشعار من جزائر اللؤلؤ 1960م) التي كتبها في القاهرة عام 1959 يعبر الدكتور غازي من غربته في ابتعاده عن الأهل والأصدقاء، ويعبر عن رحيله عن البحرين فهي معشوقته وهي الوطن والحبيبة والأمل، وهي واقع حلمه، وماضيه وحاضره ومستقبله.
وقد عكست قصائد ديوانه الأول بل كل قصائد المجموعة الشعرية الكاملة (1987م) هذا الحب الجارف لوطنه الغالي البحرين بما فيه هذا الوطن من الناس والطبيعة والثقافة، إذ يبرز الشاعر عشقه للبحرين في معظم قصائد دواوينه ترميزا وتضمينا و مباشرة، يتراوح تارة بين التغني بجمالها، وتارة أخرى للحنين إلى ذكرياته والأسى في البعد عنها.
وتتدفق مشاعر الأحلام الضائعة وذكريات الطفولة والصبا في ربوع البحرين حيث نما وترعرع وحيث أبدع أولى قصائده، كما تتدفق هذه المشاعر عبر كلمات شعره الرومانسية والواقعية فتمتزج الذكريات بالصورة المميزة لعالم البحرين الخلاب لتعبر عن حبه العميق الراسخ وعن وفائه لهذا البلد وتعلقه به وعن حنينه العارم للبحر والغوص والسواحل فلنصغِ لمطلع قصيدة (جزيرة اللؤلؤ) حيث يقول:
اليوم والأحلام ضائعة مبددة الشباب
والعمر أشلاءٌ ممزقة بأنياب السراب
ثم يروح الشاعر مخاطبا البحرين فهي الأم وهي الوطن وهي الأرض وهي الواقع والحلم وكم حري بنا في هذه الأيام أن نخاطب هذه الأرض كما خاطبها الدكتور غازي ودعا إليها بصدق وتضحية ووفاء:
ارضــي هناك مع الشواطئ والبـحار الأربعة
والأفق والشـــــفق المخضب حين ينثر أدمعه
فتــظل ترمقــه الميــاه كأنــها تبــكي معــــــه
حيث المساء يطل في صمت ويخطر في دعه
ويعــانق الآفــاق .. يمـنح كل قـلب اذرعـــــه
ويمتلئ قلب الشاعر بحبه للمنامة ومن الأبيات الخالدة عن اشتعال قلبه بهذا الحب هي أبياته الأخيرة من قصيدته(جزيرة اللؤلؤ) فقد عبر في هذه القصيدة عن فرط سروره بعودته التي تشبه الأحلام إلى سواحل المنامة بعد تغربه عنها مبتدءا بذكريات طفولته ونشأته وذكريات عشرته التي غذت القصيدة بأعذب الكلمات وأبدع الصور الشعرية إلى أن يشعر بالراحة والاطمئنان فيقول :
الضوء لاح فديت ضوءك في السواحل يا منامة
فوق الخليج أراك زاهية الملامح كابتسامــــــــه
المرفأُ الغافي وهمتُه يُهنئ بالسلامـة
ونداءَ مئذنة مضوأةٍ ترفرف كالحمامـــــــــــــة
يا موطني! ذا زورقي أوفى عليك فخذ زمامـه
فالبحرين هي الأمل والرجاء، وهي الأم والوفاء وهي الأرض والوطن والملجأ والفداء منذ خط الشاعر قصائد ديوانه الأولأشعار من جزائر اللؤلؤ) التي كتبها خلال تحصيله الدراسي في القاهرة، وحتى أخر قصائده: ( أغنية حب البحرين) التي اختتم بها مجموعته الشعرية الكاملة، صار النقاد والمؤرخين يعدونه شاعرا بحرينيا أصيلا ومؤثرا كبيرا في حركة الشعر البحريني الحديث ، فأكثر قصائده عن هذا الوطن وعن الحنين إلى هذا الوطن وهي مهداة إلى شعراء وأصدقاء في هذا الوطن خاصة الشاعر عبد الرحمن رفيع صديقه الأثير الذي أهداه سيرته الشعرية، وكذلك الشاعر أحمد محمد الخليفة كما أهدى ديوان (العودة إلى الأماكن القديمة) إلى صديق طفولته منذ الخامسة من عمره المديد ورفيق تلك الأماكن محمد صالح الشيخ عبدالله وكيل المحكمة الكبرى في البحرين وعضو مجلس الشورى إلى جانب أهدى روايته الأخيرة (شقة الحرية) إلى إبراهيم خليل المؤيد.
وكانت فترة الخمسينات تمثل له مرحلة الحنين الأولى إلى ذكريات الطفولة في ربوع البحرين فصاريثري فصائداً بحسه الوطني العميق أثناء سفره إلى القاهرة للدراسة، ومع أواخرالستينات وكذلك بداية الثمانينات يعود الشاعرإلى البحرين بكل أشواقه وأحلامه وحنينه فكتب قصيدتين تعد من أنضج قصائده الأولى (أغنية الخليج) عام 1969م يخاطب الشاعر خليجه الميمون وشطان الجزر ليقول في مطلعها:
أتيت ارقبُ ميعادي مع القمرِ يا سحر الموج والشطآنِ والجُزرِ
هــديتي رعشتا شوقٍ.. وقافيةٌ حملتُها كل ما عانيت في سفري
ويقول أيضا في قصيدة (أغنية الخليج):
خليج! مرت علينا بالنوى سنــــــــةُ
فهاتِ حدث وسل ما شئتَ من خبري
ركبت سبعين بحراً جبتُ أوديــــــــة
طارت بي الريـــح من أمنٍ إلى خطرِ
ضحكتُ والحب يرعاني ببسمتـــــــهِ
ونحتُ والحب ليلٌ صاخب الــــــــكدرِ
والشاعر غازي القصيبي دائم التغزل في معشوقته البحرين ليمزج لنا الرومانسية مع حب الوطن في قلب شعري جميل:
أوه ! حٌبكِ في روحي يطاردني
يسومــني شوكة والسوط الحزنا
أعيش فيه معــــــــــاناتي مؤبدة
لا ينتهي زمــــــــنا إلا حدا زمنا
أعد في السجن أيــــامي وأعشقها
يا سجن! هل ثم قبلي عاشق سُجنا
أضيقُ بالقيد لكني أقبلـــــــــــــــهُ
ورب قيدٍ على عبدٍ بكـــــى و حنا
ويبلغ العشق بالشاعر العاشق للبحرين درجة قصوى تمنى وطلب الموت والكفن في أرض البحرين وتربتها وهوالذي منحها شبابه الغالي وقلائد شعره:
أريد أن تمنحيني الموت والكفنا
فقد منحتك عمري والشباب وانا
وقد وهبتك من شعري قلائــــده
ومـــــن خزائن قلبي ما غلا ثمنا
ومـن ضلوعي البقايا من تمردها
ومـن جفوني الخيال الحلو الوسنا
ومن قفاري الخزامي في بكارتها
ومن بحاري القلوع البيض والسفنا
قصائده في بعض المدن السعودية
الانطباعات العالقة بذهن الدكتور غازي القصيبي عن المدن السعودية أشبه بالانطباعات التي يكونها عن الأفراد ، بمعنى انه لا يعجب - على العموم- بمدينة ما لجوها الوديع الهادئ المشبع بجمالات الطبيعة، بل الإعجاب يتحقق لديه بمدى الألفة التي تربطه مباشرة بتلك المدينة وهذه الألفة لا تأتي إلا عن طريق التعايش، فمدينة الهفوف مسقط رأسه كانت لها أعمق الأثر في حياته، حيث نشأ فيها الخمس سنوات الأولى من عمره المديد.
وعندما ينظم القصيبي درره عن الأرض السعودية فهو يرتفع بحسه إلى مستوى راق في تعبيراته الشعرية ليطير في سماء الشعر فحسه العربي القومي، وإبداعه الشعري هما جناحاه اللذان يطير بهما، فعندما خاطب (أبها) عام 1976 جعل الفرد منا يتمنى زيارتها، فقد جاءت أبياتها العذبة في وصف يجعل النجوم تحلم في أن تمس يد عروس منطقة عسير:
يا عروس الربــــى الحبيبة أبهـــــا!
أنتِ أحلى مـن الخــــيال وأبــــهــى
كــــلما حـــرك النــــفـوس جــمـــالاً
كنتِ أزكى شذى وأنضــرُ وجـــهــا
وإذا ما ارتمى على الجـــفن حلـــــم
كنـــتِ في حلـــمنا ارقي وأشــهـــى
أي ارضٍ هذي التي شاقت الأرض
جميـــعا فغـــارت الأرضُ مــنــهـا ؟
واختار الشاعر مدينة جبيل ملجأ ومخبأ لأشواقه يهفو لها قلبه فنشأت بينه وبينها ألفة امتدت مع شاعريته الخلابة وطغت على أبيات أشعاره في قصيدة عنوانها(جبيل) كتبها عام 1984 :
تدثري بــرداء السحــروائـــتـــلقـي
وفـــاخــري كل نجم مـــر بالأفـــق
جبيل ! يا دانة الغواص عـــاودنــي
شوقي فجئتك محمولا على ارقــي
أهفو إلى المقلة الحوراء مـا نظرت
إلا خشـيت على قـــلبي من الغــرق
قراءة في ديوان (أنت الرياض)
(أنت الرياض) هذا هو ديوانه الخامس الذي تمنى أن يهديه إلى والده لو كان حيا في تلك الفترة، ويعد ذلك نقلة مباشرة للشاعر ففيه استقر في ربوع وطنه الأم لمدة خمس سنوات متواصلة وكان عمره آنذاك ما بين الواحد والثلاثين والسادس والثلاثين. ففي هذه المرحلة بالذات يظهر أثر المهنة الجامعية وتولي مهمة الوزارة باد عليه عبر قصائده الشعرية ، ليرى الدنيا على حقيقتها المرعبة وما تحويه من ملامح مخيفة كالمصالح والحسد والحقد والغيرة ، فيتمنى لو انه يعود إلى الطفولة.
لهذا فهو أحب الرياض حينما استقر فيها لأنها جزء من عالمه الطفولي ، ليسرح في (الوشم) و(الناصرية) ويلقي همومه على (الخريص) :
أحـبك حـــبى عيـــون الـــريــاض
يغـــالـــب فـــيها الحنــين الحـــياء
أحبك حـــبى جبــيـــن الـــريــاض
تــظـــل تــلــفـــعـــه الــكــبــريــاء
أحــبك حـــبى دروب الـــريــاض
عناء الرياض صغار الـــريــاض
وحـــيـــن تــغـــيـــب الـــريــاض
أحـــدق في ناظــــريــك قــــليــلا
فأسرح في (الوشم) و(الناصرية)
وأطرح عند (خريص) الهــمـــوم
وحـــيـــن تــغـــيـــبـــيــن أنـــــتِ
أطــالـــع لــيل الــريـــاض الوديع
فــيـــبـــرق وجهــك بين النجـــوم
ونجتزئ من قصائد هذا الديوان قصيدة ((الزلزال)) وهذا جزء من مطلعها ، كتبت كلماتها عام 1976 حيث يقول :
بحيرةً كنتُ لم تنبض ولا ارتعشـتْ
حتى طلعتِ عليــها مثل إعــصـــارِ
حركتِ أعماقها السوداء فانتفضتْ
تمور كالمرجل الطافــي على الـنارِ
وسرت ريح حنونٍ في شــواطــئها
ماستــيقظت طـفلةً في كــف جــبارِ
الخاتمة
هكذا نرى أن شاعر الطفولة أضحى يثري الأدب بقصائده النيرة وراح يحلق في حدائق الرومانسية متغنيا بالبحرين معشوقته الأولى وببعض مناطق السعودية ، وهو في كل ذلك يخط بمفردات سليمة عربية اللغة، قوية البنية لا تقل في القوة والعمق عن شعر أبي الطيب المتنبي، ذات إيجازٍ غير مخلٍ بالأداء.
والدكتور غازي القصيبي في كل ذلك يصنع قصيدته من عشرات التجارب التي تمر به لتظهر لنا ضمن قالب شعري متجدد في إقباله على المعاني الوجدانية، والصور الممثلة لروح هذا العصر ولا عجب في ذلك فهو عربي حتى أظافره، وإضافة إلى ذلك فشعره ممزوجا بموسيقى عذبة توحي بها أبياته وألفاظه.
وأما قدرته على التصوير فهي قدرة فنان ماهر يحسن جمع الخطوط ومزج الألوان ليصنع لنا لوحة فنية رائعة ، كما إن شعره امتلك ديباجية عالية قدرها له الأدباء وامتاز بها على شوقي وحافظ في شعره.
وأخيرا كان شرف لنا أن نبحث في هوية احد شعرائنا فنخط عنهم لنتعلم منهم الشعر وأغراضه.
المصادر
1)الدكتور السرحان محمد،الدكتور غازي عبد الرحمن القصيبي قطرة ندى بين السعودية والبحرين، مكتبة فخراوي للنشر، الطبعة الأولى 1417-1997
2)مي إبراهيم، مجلة عربيات، لندن، العدد 1542
3)الناجي سعيد، دواوين القصيبي في سطور، دار القلم للنشر، الطبعة الأولى 1998